الشيخ محمد رشيد رضا

210

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

يكرهه لأمته ويعده من الأسباب الضعيفة المؤلمة المستبشعة التي تنافى التوكل ولذلك قال « لم يتوكل من استرقى أو اكتوى » رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة والطبراني من حديث المغيرة بن شعبة ويلي هذا الحديث حديث « لو أنكم تتوكلون على اللّه حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير : تغدو خماصا وتروح بطانا » رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم ، وقال الترمذي : حسن صحيح ، وصححه الحاكم أيضا وأقره الذهبي وقد استدل به على أن التوكل يكون مع السعي لأنه ذكر أن الطير تذهب صباحا في طلب الرزق وهي خماص البطون لفراغها وترجع ممتلئة البطون ؛ ولم يقل انها تمكث في أعشاشها وأوكارها فيهبط عليها الرزق من غير أن تسعى اليه . وفي الباب حديث الرجل الذي جاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأراد أن يترك ناقته وفي رواية أنه قال : أأعقلها وأتوكل ؛ أم أطلقها وأتوكل ؟ فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « اعقلها وتوكل » رواه الترمذي من حديث أنس وأنكره ابن القطان من هذا الطريق . وروى من حديث عمرو بن أمية الضمري باسناد جيد أخرجه ابن حبان في صحيحه وفيه : أن الرجل قال : أرسل ناقتي وأتوكل ؟ فذكره . ورواه الطبراني في الكبير والبيهقي في الشعب وجعلا القائل عمرا نفسه . ورواه ابن خزيمة والطبراني بلفظ « قيدها وتوكل » وكلام السلف الصالح في ذلك كثير مستفيض . روى أن رجلا قال للامام أحمدرح ) أريد الحج على التوكل ؛ فقال له : فأخرج في غير القافلة ، قال لا ؛ قال : على جرب « * » الناس توكلت . وقد تقدم أن قوله تعالى ( 2 : 198 لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ) نزل في تخطئة من قالوا مثل هذا القول . وقال عبد اللّه بن الإمام أحمد : قلت لأبى : هؤلاء المتوكلون يقولون نقعد وأرزاقنا على اللّه عز وجل . فقال : ذا قول ردئ خبيث ، يقول اللّه عز وجل ( إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ) . وقال أيضا : سألت أبى عن قوم يقولون : نتكل على اللّه ولا نكتسب ؛ فقال : ينبغي للناس كلهم أن يتوكلوا على اللّه ولكن يعودون على أنفسهم بالكسب ، هذا قول انسان أحمق . وروى عن

--> ( * ) الجرب جمع جراب ككتب وكتاب والمراد ما فيها من الزاد